07/13/2026 22:59:39
الاخبار الاحوازیه
ما جرى في النجف ليس مراسم وداع بل فعلًا سياسيًا مقصودًا
#صوت_الأحواز #الجبهة_العربية_لتحرير_الأحواز
كتب: كمال عبد الكريم
نائب الأمين العام للجبهة العربية لتحرير الأحواز
ما جرى ليس تشييعا عابرا ولا طقسا جنائزيا يمكن عزله عن سياقه السياسي والعسكري والمذهبي، بل مشهد محسوب بعناية اريد له ان يقرأ كما اخرج رسالة نفوذ واستعراض سيادة واعلان حضور فوق ارض لم تحسم معركتها على الهوية والقرار حتى الان.
ان الطواف بجنازة علي خامنئي في النجف الأشرف لا يمكن النظر اليه بوصفه مجرد فعل تبرك او تعبير وجداني بريء، لان التوقيت والمكان والرمزية وطبيعة الصراع المفتوح في العراق والمنطقة كلها تنزع عنه براءة الطقس وتضعه في قلب الرسائل السياسية الثقيلة.
النجف ليست ساحة فارغة في الجغرافيا ولا اسما عابرا في الوجدان العربي والعراقي.
النجف عنوان للمرجعية الشيعية، وذاكرة للسيادة الروحية، وركن من اركان الهوية العراقية التي حاولت مشاريع الخارج، قديما وحديثا ان تخضعها لمنطق الوصاية والاختراق واعادة التشكيل.
ومن هنا فان تحويلها الى منصة عبور لرمز سياسي وعسكري ارتبط اسمه بمشروع اقليمي توسعي لا يبدو حدثا دينيا منزوع الدلالة بل اقرب الى عرض قوة رمزي ترفع فيه راية النفوذ فوق جرح العراق المفتوح، ويختبر عبره مدى ما تبقى للعراقيين من قدرة على حماية معنى السيادة في ارضهم ورموزهم ومدنهم.
ليس من السذاجة ان يرى العراقي والعربي في هذا المشهد ما هو ابعد من الجنازة وما هو اعمق من مشهد المشيعين واللافتات والهتافات، فالقضية هنا ليست جسدا يشيع بل مشروعا يراد له ان يسير مطمئنا في قلب العراق، وكأن الرسالة تقول لقد صار الطريق ممهدا وصارت العواصم مفتوحة وصار بالامكان تحويل اقدس المدن الى مسرح لاعلان الغلبة السياسية تحت ستار العاطفة الدينية.
ان هذا النوع من المشاهد لا ينتج صدفة، بل يصنع ليقول شيئا محددا ويزرع في الوعي صورة محددة: من يملك الميدان يملك الرمز ومن يملك الرمز يقترب من امتلاك الرواية نفسها.
ولذلك فان قراءة هذا المشهد بوصفه رسالة اذلال وتحد ليست قراءة متطرفة ولا انفعالية بل قراءة سياسية مفهومة في ضوء ما عاشه العراق خلال العقود الاخيرة من تفكيك للدولة وتوغل للميليشيات وتآكل لمركز القرار الوطني وتكريس لواقع يجعل من بعض القوى العابرة للحدود شريكا أعلى من الدولة نفسها، بل وصاحب اليد الطولى في تحديد مسارها.
حين تنتهك السيادة مرة بالسلاح ومرة بالاقتصاد ومرة بالقرار السياسي ثم تستكمل اخيرا بالرمز والمشهد والطقس، فإن المسالة لا تعود مجرد اختلاف في التأويل بل تصبح فصلا جديدا من فصول فرض الهيمنة على الوعي قبل الارض.
ولعل اكثر ما يثير المرارة في هذا المشهد انه يراد له ان يمر بوصفه امرا طبيعيا او شأنا دينيا داخليا بينما هو في نظر كثيرين اعلان صريح بان العراق لم يسترد بعد من قبضة المشاريع المتنازعة عليه.
فالمشكلة ليست في الموت ولا في مراسم الوداع بل في توظيف الموت نفسه داخل معركة النفوذ وفي استخدام المدن المقدسة بوصفها منصات سياسية لتكريس موازين قوة لا علاقة لها بحرمة المكان ولا بوجع الناس بل بكل ما يتعلق باخضاع المجال العراقي لمنطق التبعية واعادة تعريفه على صورة مصالح الاخرين.
وحين يستحضر العراقي او العربي في هذه اللحظة اسماء من التاريخ مثل البرامكة او ابي مسلم الخراساني فهو لا يفعل ذلك على سبيل الحنين الى السجالات القديمة بل لأنه يشعر ان التاريخ يستدعى اليوم لا بوصفه ذاكرة بل بوصفه اداة تهديد ورمزا لعودة مشروع الهيمنة بثوب جديد.
كان لسان الحال يقول: ها نحن نعود من جديد الى قلب بغداد والنجف والكوفة لا كجيران ولا كحلفاء بل كأوصياء على المصير، ومهندسين للقرار وحراس لرواية يراد فرضها على العرب من بوابة العراق اولا وهذه هي الإهانة الأعمق ان يراد للعراقي ان يعتاد المشهد، وان يبتلع الرسالة، وان يتعايش مع فكرة ان بلده لم يعد له وحده وان رموزه ومدنه ومقدساته يمكن ان تستخدم في صراعات النفوذ الاقليمي كما تستخدم الثكنات والمعابر والحقول.
ان اخطر ما في هذه الوقائع ليس ما تقوله في لحظتها فحسب بل ما تؤسسه على المدى البعيد من تطبيع مع انتقاص السيادة وتآكل الحس الوطني وافراغ الرموز الدينية من معناها العراقي والعربي الجامع لتحويلها الى ادوات في معركة المحاور. ومن هنا، فان الاعتراض على هذا المشهد ليس اعتراضا على الموتى ولا على حق الناس في الحزن بل اعتراض على الإذلال حين يلبس لبوس القداسة وعلى التوسع حين يتخفى في هيئة التبرك وعلى مشروع يريد من العراق ان يكون ساحة لا دولة، وممرا لا مركزا، ووظيفة في خرائط الاخرين لا وطنا مستقل الارادة والقرار.
العراق لا يهان فقط حين تقصف مدنه او تنهب ثرواته او يغتال ابناؤه، بل يهان ايضا حين تنتزع من مدنه معانيها، ومن رموزه سيادتها، ومن شعبه حقه في ان يرى في النجف والموصل والبصرة وبغداد مدنا عراقية خالصة لا منصات لرسائل الاخرين.
ومن حق العراقي ان يغضب، ومن حق العربي ان يقرأ المشهد بعين الريبة، لأن الامم لا تستباح دفعة واحدة بل تستباح بالتراكم: بخطوة صغيرة هنا ومشهد رمزي هناك وصمت طويل حتى يصبح الاستثناء قاعدة وتصبح الاهانة مالوفة ويطلب من الضحية ان تصفق لجلادها باسم الحكمة او الواقعية او مراعاة التوازنات.
لهذا فان ما جرى في النجف في نظر كثيرين ليس مشهد وداع، بل مشهد اعلان، وليس لحظة حزن بل لحظة اختبار، وليس كما يعتقد السذج تبركا بجنازة بل تلويحا براية نفوذ فوق ارض ما زالت تقاوم لكي تبقى عراقا عربيا سيدا، لا ملحقا في امبراطورية الوكلاء ولا ساحة مفتوحة لرسائل الاستعلاء السياسي والمذهبي.
